فخر الدين الرازي
142
تفسير الرازي
النوع الثالث : من قبائح أفعالهم قوله تعالى : * ( وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً * وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : * ( ومكروا ) * معطوف على * ( من لم يزده ) * ( نوح : 21 ) لأن المتبوعين هم الذين مكروا وقالوا للأتباع : * ( لا تذرن ) * ، وجمع الضمير وهو راجع إلى * ( من ) * ، لأنه في معنى الجمع . المسألة الثانية : قرىء * ( كباراً ) * و * ( كباراً ) * بالتخفيف والتثقيل ، وهو مبالغة في الكبير ، فأول المراتب الكبير ، والأوسط الكبار بالتخفيف ، والنهاية الكبار بالتثقيل ، ونظيره : جميل وجمال وجمال ، وعظيم وعظام وعظام ، وطويل وطوال وطوال . المسألة الثالثة : المكر الكبار هو أنهم قالوا لأتباعهم : * ( لا تذرن وداً ) * فهم منعوا القوم عن التوحيد ، وأمروهم بالشرك ، ولما كان التوحيد أعظم المراتب ، لا جرم كان المنع منه أعظم الكبائر فلهذا وصفه الله تعالى بأنه كبار ، واستدل بهذا من فضل علم الكلام على سائر العلوم ، فقال : الأمر بالشرك كبار في القبح والخزي ، فالأمر بالتوحيد والإرشاد وجب أن يكون كباراً في الخير والدين . المسألة الرابعة : أنه تعالى إنما سماه * ( مكراً ) * لوجهين الأول : لما في إضافة الإلهية إليهم من الحيلة الموجبة لاستمرارهم على عبادتها ، كأنهم قالوا : هذه الأصنام آلهة لكم ، وكانت آلهة لآبائكم ، فلو قبلتم قول نوح لاعترفتم على أنفسكم بأنكم كنتم جاهلين ضالين كافرين ، وعلى آبائكم بأنهم كانوا كذلك ، ولما كان اعتراف الإنسان على نفسه ، وعلى جميع أسلافه بالقصور والنقص والجهل شاقاً شديداً ، صارت الإشارة إلى هذه المعاني بلفظ * ( آلهتكم ) * صارفاً لهم عن الدين ، فلأجل اشتمال هذا الكلام على هذه الحيلة الخفية سمى الله كلامهم * ( مكراً ) * الثاني : أنه تعالى حكى عن أولئك المتبوعين أنهم كان لهم مال وولد ، فلعلهم قالوا لأتباعهم : إن آلهتكم خير من إله نوح ، لأن آلهتكم يعطونكم المال والولد ، وإله نوح لا يعطيه شيئاً لأنه فقير ، فبهذا المكر صرفوهم عن طاعة نوح ، وهذا مثل مكر فرعون إذ قال : * ( أليس لي ملك مصر ) * ( الزخرف : 51 ) وقال : * ( أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين * فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب ) * ( الزخرف : 52 ، 53 ) .